Click on Picture to Link to Youtube

Click on Picture to Link to Youtube
Click on Picture for The History Channel

Thursday, July 23, 2020

الحرب العراقية - الإيرانية : تدوين من خدموا فيها - الجزء الثاني


  معارك الشوش - دزفول والطاهري

أسامة عطارباشي






معركة الشوش - دزفول

بعد إكمال دورة التدريب الأساسي لمدة ثلاثة أشهرإبتداء من أيلول 1981 والخاصة بالضباط الأطباء في مدرسة طبابة معسكر الرشيد ، تم تنسيبي في شهر كانون الثاني من عام 1982  الى الفوج الثاني - لواء 602 الذي كان موجودا في منطقة ديرلوك شمال العراق (قرب مدينة العمادية). كانت تلك فترة تدريب للفوج (واللواء ككل) والذي كان من الألوية المؤسّسة حديثا بسبب الحاجة لإمداد الجيش بقوات عسكرية جديدة. قضينا هناك ما يقارب الشهرين حيث جمال الطبيعة مستمتعين باوقاتنا  قبل العواصف التي ستجابهنا فيما بعد .
انتقل فوجُنا الى معسكرتدريبي في اطراف مدينة الموصل وكان مقررا ان يستغرق التدريب ثلاث أشهر،  ولكن بعد أسبوعين من بدء المعسكر التدريبي ، جاءت الأوامر في منتصف آذار بالتحرك الى منطقة الشوش – دزفول المحاذية لمحافظة ميسان ، حيث يبدو ان الحشود الإيرانية في هذه المنطقة كانت تشير الى حدوث معركة كبيرة هناك.
 وصلنا الى المنطقة ليلاَ، ومعظم منتسبي فوجنا لم تكن لهم أية تجربة سابقة في المعارك التي جرت لحد الآن. حال وصولنا  بدأ الإيرانيون استهدافنا بقصف مدفعي كثيف مما أدى الى وقوع بعض الخسائر في فوجنا إنذارا بما سيحدث بعد ذلك. 

تم تنسيب فوجنا الى أحد قواطع خط المواجهة ، وكان فوق تلة تشرف على وادي يمتد لمسافة بضع كيلومترات . كان آمر الفوج وكالة حينئذ الرائد عبد الجبار من أهالي العمارة، حيث كان الآمرالمقدم حمزة  في اجازة مرضية منذ شهر كانون الثاني لإصابته بانزلاق غضروفي شديد في الفقرات القطنية. بقينا هناك يومين او ثلاثة في هدوء غريب، لنشهد صباح أحد الأيام معركة بالدبابات في الوادي المقابل لنا، استمرت المعركة طوال النهار الى ان حل الظلام، وكنا نرى تبادل اضواء الطلق الناري المكثف  وراءنا من جهة القوات العراقية  ولكن البعض حينئذ لم يفهم ماكان يجري بالضبط لافتقادنا الخبرة في طبيعة مجريات المعارك ( وانا حينها اخبرت آمر الفوج بان الإيرانيين ربما كانوا قد اخترقوا الدفاعات العراقية ). عصر ذلك اليوم عاد حمزة ، المقدم آمر الفوج ، بعد انتهاء اجازته المرضية.

بتنا ليلتنا تلك لنستيقظ صباحا ونجد كل الدبابات التي كانت في الوادي قد اختفت تماما وكان هدوء المعارك المفاجيء مثيرا للريبة ، بدأ القلق يسيطر على الجميع،  وطلبت من الرائد عبد الجبار(مساعد آمر الفوج) أن يحاول الإتصال بمقر اللواء ليستطلع الأمر، ولكن لم نستطع تأمين الاتصال مع مقر اللواء، فطلب آمر الفوج من الراصد المدفعي الإتصال بكتيبة المدفعية لتأمين القصف الدفاعي لحمايتنا لأننا بدأنا نرى أرتالا من الإيرانيين تتجه نحونا، و كان رد الراصد المدفعي صادما حيث قال أن الهدف خارج نطاق تغطية المدفعية ، بمعنى ان كتيبة المدفعية قد انسحبت مسافة كبيرة الى الخلف.

بدأ الخوف الممزوج بالقلق يدب بيننا ورأيت أرتال الجنود الايرانيين تقترب منا. طلبت من الآمر أن ننسحب ولكنه كان خائفا ومترددا، فقام بتكليف الضابط  الإداري الملازم الأول عبدالكريم ( وكان ضابطا شجاعا ومندفعا ) بالذهاب الى مقر اللواء بالسيارة لإستطلاع الأمر، بعد دقائق قليلة عاد وهو مذعور حيث رآى الايرانيين قد سيطروا على عقدة الطريق وقد تعرضت السيارة  للرمي من قبل الايرانيين.

حينذاك إقتنعت والجميع  أن البقاء في مكاننا هو نوع من الإنتحار يعني الموت او الأسر، فبدأ الكل بالانسحاب باتجاه الوادي مشيا على الاقدام . كان المقدم آمر الفوج حمزة راقدا في الملجأ لأنه يشكو من آلام شديدة في الظهر  (وهو الذي وصل فقط في اليوم السابق ولا فكرة لديه عن المعركة).  دخلنا عليه لنأخذه معنا، فقال انه لا يستطيع المشي لشدة الألم ولكننا لم نتركه  وأجبرناه على النهوض والمشي معنا  الى الوادي حيث كان عددنا قليل (أنا والمقدم حمزة والرائد عبد الجبار وبعض من الجنود) وسبقنا معظم منتسبي الفوج بالإنسحاب . بعد  النزول من التلة التي كنا فيها وبعد مشي  حوالي خمس عشرة دقيقة ، قال نائب الضابط (الذي لا أتذكر اسمه) انه قد نسي القلم السري للفوج فقررالعودة  ليجلبه . حاولنا أن نمنعه من الذهاب ولكنه أصر على العودة الى مقر الفوج ، وفعلا ذهب ولم يعد ، حيث تم اسره من قبل القوات الايرانية. 

استمرينا  نمشي في الوادي الطيني ، وكنا كلما مشينا مسافة شكى المقدم حمزة من آلام الظهر وانه لا يستطيع ان يكمل المسير معنا ، فكنا نضطر أحيانا الى سحبه من يديه لنجبره على المشي، واثناء هذا المسير كنا نتعرض للرمي من بعض الإيرانيين وأحيانا من طائرة تمر من فوقنا. 

بعد مسير 4 ساعات ( تقريبا 10 كلم ) وصلنا الى المنطقة التي اصبحت الخط الدفاعي الأول للقوات العراقية ، وكان الجميع قد سبقنا بسبب بطء مشينا مع الآمر المريض أي أننا كنا نمشي كل تلك المسافة في الأرض التي كانت تحت سيطرة القوات الايرانية ( التي تسمى عسكريا بالأرض الحرام).


معركة الطاهري 

صدر الأمر للواءنا (لواء 602) بالتوجه الى منطقة الطاهري– جسر حالوب التي تقع شمال شرق مدينة البصرة في أواخر شهر نيسان 1982، حيث كانت المعلومات الاستخبارية تشير الى احتمال قيام القوات الإيرانية بالتحضير لهجوم عسكري على قاطع المحمرة . المنطقة التي انتشر فيها اللواء هي أرض مستوية رملية رطبة مملوءة بالمياه الجوفية ، وفيها تم توزيع سرايا الفوج على خط الدفاع الأول وتحديد مقره بمسافة تبعد 500 متر تقريبا خلف السرايا الأمامية.

كانت الأيام الأولى هادئة ، والأمور اعتيادية و نتمتع  بالإجازات الدورية بشكل اعتيادي حيث ذهبتُ  في اجازة الى بغداد، و بعد عودتي الى الفوج بيوم او يومين ابتدأ الهجوم الايراني ليلا وبشكل غير متوقع على فوجنا وكل الوحدات المجاورة لنا، حيث باغتَنا القصف المدفعي وخاصة على الوحدات المتمركزة على الخط الأمامي . كنا نرى الإنفجارات والحرائق لا تتوقف، ثم بدأت القذائف تُرمى علينا في مقر الفوج، حينئذ بدأ الهجوم بأعداد كبيرة على القوات الموجودة في الساتر الأمامي (خط المواجهة) حيث كنا نرى تبادل اطلاق البنادق الرشاشة والقذائف الخفيفة، وتبين لنا بعد ساعة او اثنتين ان القوات الإيرانية قد اصابت قواتنا الأمامية بإصابات كبيرة وبدأنا نرى الجنود المتراجعين من الساتر الأمامي حيث كانوا متعبين وبحالة معنوية سيئة وهم في طريق الإنسحاب، والبعض يتحدث عن الشهداء الذين رأوهم .

تبين لنا عندئذ أن الإيرانيين اخترقوا خط الدفاع الأول وهم يتقدمون نحو مقرات الأفواج والألوية باتجاه الحدود الدولية، حينئذ قرر آمر الفوج الرائد "عبد الجبار" الإتصال بمقر اللواء الذي كان خلفنا  يبعد ما يقارب من 2-3 كم، ولكن لم يتم تأمين المكالمة لإنقطاع كل وسائل الإتصال (السلكية واللاسلكية) . كانت جموع الجنود والمقاتلين المنسحبة تتزايد بسرعة، عندئذ قرر آمر الفوج ان ننسحب ونذهب الى مقر اللواء للإستفسارعن الموقف والأوامر الجديدة فيما يتعلق بسير المعركة ودور فوجنا، فركبنا في السيارة الخاصة بآمر الفوج (كانت من نوع الواز الروسي) . كنتُ في السيارة مع الآمر والسائق وجندي الإنضباط والمراسل ، واتجهنا نحو مقر اللواء ، وعندما وصلنا اليه اكتشفنا ان لا أحد هناك وانهم قد تركوا المكان. بعد ذلك اتجهنا الى السيارة، واذ نحن نهم بركوبها رأيتُ من بعيد مجموعة من الجنود تتجه نحونا ، وفجأة وقع انفجار قريبا منا جدا، نتيجة قذيفة أطلقت علينا، فصرختُ على من كان معنا سائلا "هل أصيب أحدا منكم؟"، فاجاب الجميع انهم بخير عدا جندي الانضباط الذي أصيب بجرح في رجله، لذا أسرعنا بالصعود الى السيارة التي قال سائقها ان عجلتين من عجلاتها قد انفجر نتيجة القذيفة ، فاضطررنا لإستخدامها بالرغم من ذلك.  

سارت بنا السيارة لمسافة تقرب من 5-7 كم حتى وصلنا الى نقطة السيطرة  العسكرية  القريبة من منفذ الشلامجة الحدودي على مفترق الطريق، فصرخ جنود الإنضباط العسكري علينا ( وكان يبدو عليهم ايضا الحيرة والإرتباك)  بسبب  تركنا لمواقعنا و لم يسمحوا لنا بالمرور، و لكن عندما علموا ان احد الجنود كان جريحا سمحوا لنا بالمرور حيث اخذنا جندي الإنضباط المصاب الى موقع جمع الخسائر، وبقينا قرب تلك المنطقة بانتظار طلوع النهار.

في الصباح جاءنا من يخبرنا بأن قطعات لواءِنا تتجمع في احدى بساتين النخيل القريبة . بعد اصلاح عجلات السيارة اتجهنا الى تلك المنطقة  وكان ما تبقى من منتسبي اللواء هناك، حيث تم تجميع واحصاء ما تبقى من فوجنا بانتظار صدور الأوامر لنا.

بدأت تصل مجاميع كثيرة من تشكيلات الجيش الشعبي من بغداد ومدن العراق الاخرى الى تلك المنطقة حيث امتلأت بساتين النخيل هناك بتلك القوات  وكان معظمهم ليس لديه أية فكرة عن المعركة أو خبرة عسكرية . كانت  نسبة لا بأس بها منهم بأعمار تقل عن 18 سنة، ورأيتُ أحدهم  يبكي فحاولتُ تهدئته حيث اخبرني بأنه خائف لأنها المرة الأولى التي يترك بها والدته وبيته .

انتظرنا في تلك المنطقة حوالي 24 ساعة حيث جاءنا الخبر بأن لواءنا سيتم إرساله الى قاطع مدينة المحمرة في اليوم التالي ، وكان فوجنا قد فقد ما يزيد عن نصف قوته القتالية، وبدأ الاستعداد للتحرك .

في صباح اليوم التالي جاءنا الخبر بأن الأوامر قد تغيرت  وإننا لن نذهب الى قاطع المحمرة بل سيتم ارسالنا الى منطقة اخرى لإعادة تنظيم وإكمال نواقص اللواء من الأفراد والمعدات التي فقدت  . وفعلا في فجر اليوم التالي بدأت قطعات اللواء بالحركة نحو اطراف مدينة جلولاء في محافظة ديالى لأغراض اعادة التنظيم و التدريب.


________________________________

أسامة عطار باشي خريج كلية الطب / جامعة بغداد . أدى الخدمة الإلزامية في الجيش العراقي برتبة ملازم طبيب مجنّد منذ أيلول عام 1981 ولغاية أيلول 1985 .  شارك في الحرب العراقية – الإيرانية في بداية 1982 ولغاية نهاية خدمته العسكرية .  كان أستاذا مساعدا في كلية الطب / جامعة الشارقة 2008 – 2014 . حاليا يعمل طبيبا استشاريا في طب الأطفال وحديثي الولادة في دولة الإمارات العربية المتحدة .