معارك الشوش - دزفول والطاهري
أسامة عطارباشي
معركة الطاهري
صدر الأمر للواءنا (لواء 602) بالتوجه الى منطقة الطاهري– جسر حالوب التي تقع شمال شرق مدينة البصرة في أواخر شهر نيسان 1982، حيث كانت المعلومات الاستخبارية تشير الى احتمال قيام القوات الإيرانية بالتحضير لهجوم عسكري على قاطع المحمرة . المنطقة التي انتشر فيها اللواء هي أرض مستوية رملية رطبة مملوءة بالمياه الجوفية ، وفيها تم توزيع سرايا الفوج على خط الدفاع الأول وتحديد مقره بمسافة تبعد 500 متر تقريبا خلف السرايا الأمامية.
كانت الأيام الأولى هادئة ، والأمور اعتيادية و نتمتع بالإجازات الدورية بشكل اعتيادي حيث ذهبتُ في اجازة الى بغداد، و بعد عودتي الى الفوج بيوم او يومين ابتدأ الهجوم الايراني ليلا وبشكل غير متوقع على فوجنا وكل الوحدات المجاورة لنا، حيث باغتَنا القصف المدفعي وخاصة على الوحدات المتمركزة على الخط الأمامي . كنا نرى الإنفجارات والحرائق لا تتوقف، ثم بدأت القذائف تُرمى علينا في مقر الفوج، حينئذ بدأ الهجوم بأعداد كبيرة على القوات الموجودة في الساتر الأمامي (خط المواجهة) حيث كنا نرى تبادل اطلاق البنادق الرشاشة والقذائف الخفيفة، وتبين لنا بعد ساعة او اثنتين ان القوات الإيرانية قد اصابت قواتنا الأمامية بإصابات كبيرة وبدأنا نرى الجنود المتراجعين من الساتر الأمامي حيث كانوا متعبين وبحالة معنوية سيئة وهم في طريق الإنسحاب، والبعض يتحدث عن الشهداء الذين رأوهم .
تبين لنا عندئذ أن الإيرانيين
اخترقوا خط الدفاع الأول وهم يتقدمون نحو مقرات الأفواج والألوية باتجاه الحدود
الدولية، حينئذ قرر آمر الفوج الرائد "عبد الجبار" الإتصال بمقر اللواء
الذي كان خلفنا يبعد ما يقارب من 2-3 كم،
ولكن لم يتم تأمين المكالمة لإنقطاع كل وسائل الإتصال (السلكية واللاسلكية) . كانت
جموع الجنود والمقاتلين المنسحبة تتزايد بسرعة، عندئذ قرر آمر الفوج ان ننسحب ونذهب
الى مقر اللواء للإستفسارعن الموقف والأوامر الجديدة فيما يتعلق بسير المعركة
ودور فوجنا، فركبنا في السيارة الخاصة بآمر الفوج (كانت من نوع الواز الروسي) .
كنتُ في السيارة مع الآمر والسائق وجندي الإنضباط والمراسل ، واتجهنا نحو مقر
اللواء ، وعندما وصلنا اليه اكتشفنا ان لا أحد هناك وانهم قد تركوا المكان.
بعد ذلك اتجهنا الى السيارة، واذ نحن نهم بركوبها رأيتُ من بعيد مجموعة من الجنود
تتجه نحونا ، وفجأة وقع انفجار قريبا منا جدا، نتيجة قذيفة أطلقت
علينا، فصرختُ على من كان معنا سائلا "هل أصيب أحدا منكم؟"، فاجاب الجميع
انهم بخير عدا جندي الانضباط الذي أصيب بجرح في رجله، لذا أسرعنا بالصعود الى
السيارة التي قال سائقها ان عجلتين من عجلاتها قد انفجر نتيجة القذيفة ، فاضطررنا لإستخدامها
بالرغم من ذلك.
سارت بنا السيارة
لمسافة تقرب من 5-7 كم حتى وصلنا الى نقطة السيطرة العسكرية
القريبة من منفذ الشلامجة الحدودي على مفترق الطريق، فصرخ جنود الإنضباط
العسكري علينا ( وكان يبدو عليهم ايضا الحيرة والإرتباك) بسبب تركنا لمواقعنا و لم يسمحوا لنا بالمرور، و لكن
عندما علموا ان احد الجنود كان جريحا سمحوا لنا بالمرور حيث اخذنا جندي الإنضباط
المصاب الى موقع جمع الخسائر، وبقينا قرب تلك المنطقة بانتظار طلوع النهار.
في الصباح جاءنا من يخبرنا بأن قطعات لواءِنا تتجمع في احدى بساتين النخيل
القريبة . بعد اصلاح عجلات السيارة اتجهنا الى تلك المنطقة وكان ما تبقى من منتسبي اللواء هناك، حيث تم
تجميع واحصاء ما تبقى من فوجنا بانتظار صدور الأوامر لنا.
بدأت تصل مجاميع كثيرة من تشكيلات الجيش الشعبي من بغداد ومدن العراق
الاخرى الى تلك المنطقة حيث امتلأت بساتين النخيل هناك بتلك القوات وكان معظمهم ليس لديه أية فكرة عن المعركة أو خبرة
عسكرية . كانت نسبة لا بأس بها منهم بأعمار
تقل عن 18 سنة، ورأيتُ أحدهم يبكي فحاولتُ تهدئته حيث اخبرني بأنه خائف لأنها المرة الأولى التي
يترك بها والدته وبيته .
انتظرنا في تلك المنطقة حوالي 24 ساعة حيث جاءنا الخبر بأن لواءنا سيتم إرساله
الى قاطع مدينة المحمرة في اليوم التالي ، وكان فوجنا قد فقد ما يزيد عن نصف قوته
القتالية، وبدأ الاستعداد للتحرك .
في صباح اليوم التالي جاءنا الخبر بأن الأوامر قد تغيرت وإننا لن نذهب الى قاطع المحمرة بل سيتم
ارسالنا الى منطقة اخرى لإعادة تنظيم وإكمال نواقص اللواء من الأفراد والمعدات
التي فقدت . وفعلا في فجر اليوم التالي
بدأت قطعات اللواء بالحركة نحو اطراف مدينة جلولاء في محافظة ديالى لأغراض اعادة
التنظيم و التدريب.
